محمد المحفلي عام ونصف العام قضيتها في العاصمة الأردنية عمان، في طريقي إلى لوند، كانت تلك الأيام الخمسمائة الأقسى في حياتي، توترا وانتظارا وحلما وخوفا أيضا، فأنا القادم التارك ورائي أهلى وأخواني وأحبائي تحتك نيران القذائف ولهيب الصواريخ وأزيزالرصاص في اليمن، وأمامي تتراءى حياة جديدة، قد يتغير مسارها إلى الأبد، بيد أن المعاملة أخذت أكثر من وقتها ومع كل يوم يمر ينسرق فيه شيء من داخلي. طاقة هائلة شعرت أني أحرقها في الانتظار، الذي أخذ أكثر مما كنت أتوقع حين استلمت الدعوة الرسمية من جامعة لوند، مع التفاصيل المتضمنة استقبالي لمدة سنة في مركز دراسات الشرق الأوسط، كباحث زائر، لم تستوعبني الفرحة التي ظللت أنتظرها لمدة 500 يوم حتى اللحظة، وما إن استقبلت تلك الكلمات حتى أعدت قراءتها عدة مرات لأتأكد أن طريق حلمي تحت السيطرة. ذهبت اليوم الثاني مباشرة إلى سفارة السويد في عمَّأن فأخبروني حينها أن بإمكاني أن أتقدم بطلب الإقامة ألكترونيا وآتيهم بعد ذلك لاستكمال إجراءات أخذ البصمة، وبدون أية استشارات بعثت ببقية الأوراق لجامعة لوند من أجل توقيع اتفاقية استضافة باحث، ثم قدمت الطلب ألكترونيا بالإقامة لمدة سنة، لكن للأسف بعد ثلاثة أشهر تقريبا جاءت الإقامة، وقد أصبحت عشرة أشهر فقط، حيث تم خصم أيام المعاملة من المدة المطلوبة، لم أظن أن هذا الأمر سيشكل مشكلة وصلت السويد وما أن بدأت بالمعاملة حتى واجهتني مشكلة الPersonal NumberK، فحينما أذهب لأي معاملة أو اشتراك يطلب مني البرسونال نمبر، وهو مالم يكن معي، فذهبت إلى مكتب الضرائب من أجل الحصول على هذا الرقم، فكان أول رد هو أنه لانستطيع أن نمنحك هذا الرقم وذلك لأن إقامتك في السويد أقل من عام، ومادمت موظفا في الجامعة ولديك راتب وعليك ضرائب، فسوف يتم منحك رقم تنسيق Coordination Number، ظننت أن هذا الرقم قد يفي بالغرض وسيكون بديلا عن الرقم الشخصي، وبعد انتظار شهرين كاملين استلمت رقم التنسيق، وظننت أن كل شيء قد انحل وأنه يمكن أن يحل محل الرقم الشخصي بمجرد وصولي السويد، ولأني أعمل في الجامعة كان علي أن أفتح حسابا بنكيا، وهذا الأمر يستحيل أن تفعله بدون رقم شخصي، بيد أن الشركة التي نسقت استقدامي، وقعت عقدا مع بنك هاندلس بانكن، حيث يسمح لي بفتح حساب مع التعهد بإعطائهم الرقم الشخصي بعد 3 أشهر، ما إن استلمت رقم التنسيق حتى ذهبت فرحا لأعطيه البنك، فرفض وقال هذا ليس رقما شخصيا، ومادمت موقعا على تعهد بأن تأتي بالرقم الشخصي فإما أن تأتي به وإلا سوف يتم توقيف حسابك عدت إلى الضغط النفسي مرة أخرى، وتواصلت الجامعة مع الشركة التي سهلت وصولي إلى السويد، فتم تمديد فترة المهلة أشهر أخرى، ما أن اقتربت فترة الإقامة من نصفها حتى ذهبت إلى الجامعة وطلبت منهم توقيع اتفاقية استقبال جديدة تسمح لي بالإقامة أكثر من سنة من أجل أستطيع الحصول على الرقم الشخصي. وبالفعل تم توقيع اتفاقية استضافة، وقدمت على تمديد الإقامة، ولحسن الحظ أن دراسة طلب تجديد الإقامة لم يأخذ عشرة أيام حتى جاء الرد بالموافقة، بيد أن الحصول على الرقم الشخصي ثم الآي دي كارد، استغرق أكثر من ثلاثة أشهر أخرى. وبعد سنة ونص تقريبا، استكملت كل الوثائق التي تسمح لي أن أعيش بحرية كأي مواطن على كل من يفكر أن يأتي إلى السويد، أن يحرص قدر الإمكان أن يحصل على أقامة أكثر من سنة، لأنها لو كانت الفترة أقل من سنة حتى بيوم واحد فإنه لن يستطيع الحصول على الرقم الوطني ومن ثم لن يستطيع أن يعيش إلا كزائر مؤقت، فلا يفتح حسابا بنكيا، ولا يشترك بأي خدمة رسمية، فكل شيء مرتبط بهذا الرقم، أما رقم التنسيق فليس إلا رقما للضرائب، ولا يقدم لك أي ميزة